الغزالي
77
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
الأولى : / قوله : « كان إنسان أرسل من اللّه ، اسمه يوحنا ، هذا جاء للشهادة ليشهد النور ، ليؤمن الكل به ، ولم يكن هو النور ، بل ليشهد للنور الذي هو نور الحق الذي يضيء لكل إنسان آت إلى العالم ، في العالم كان ، والعالم به كوّن ، والعالم لم يعرفه » « 1 » . فنقول : الموصوف في هذه الكلمات بأنه لم يزل في العالم ، وأن العالم كوّن به ، إما أن يكون هو الناسوت منفكّا عن تعلقه باللّاهوت « 2 » ، أو باعتبار تعلقه به . وإما أن يكون هو اللّاهوت من حيث هو لاهوت ، أو باعتبار تعلقه بالناسوت ، وهو / ظهوره فيه . وإما أن يكون هو الحقيقة الثالثة . والكل باطل ، إلا اللاهوت من حيث هو لاهوت . وأما بطلان الناسوت فضروري ، سواء قلنا إنه منفك عن تعلقه باللاهوت ، أو باعتبار تعلقه به ، أمّا مع الانفكاك فظاهر ، وكذلك مع التعلق ، لأن تعلقه باللّاهوت حادث ، لأن التعلق ما حصل له إلا بعد خلقه ، فكيف يوصف بتكوين العالم ، وأنه لم يزل فيه ؟ ! وكذلك أيضا ؛ الحقيقة الثالثة ، لأن الحقيقة الثالثة أحد جزئها « 3 » الناسوت ، وهو حادث ، فيلزم أن تكون معدومة قبل خلقه ، ويستحيل / وصفها إذا بما ذكر . وكذلك اللاهوت باعتبار ظهوره في الناسوت ، لأن ظهوره فيه إنما حدث عند خلقه للناسوت . فإذا حكمنا على اللاهوت بما ذكر باعتبار هذا التعلق الحادث استحال وصفه بما ذكر . فلم يبق إلا أن تكون هذه الأوصاف عائدة إلى الإله جلّ اسمه ، من حيث هو إله ، لا باعتبار انضمامه إلى الناسوت ، ولا باعتبار انضمام الناسوت
--> ( 1 ) انظر : إنجيل يوحنا - الإصحاح الأول - ( 6 - 10 ) . وفيه : « ظهر رسول من اللّه اسمه يوحنا . جاء ليشهد للنور حتى يؤمن الناس على يده . ما كان هو النور ، بل شاهدا للنور . الكلمة هو النور الحق ، جاء إلى العالم لينير كل إنسان وكان في العالم ، وبه كان العالم ، وما عرفه العالم » . من طبعة دار الكتاب المقدس . ص 252 . ( 2 ) سقطت كلمة [ باللاهوت ] من المطبوع . ( 3 ) في المطبوع : [ جزأيها ] .